موقع شباب وان موقع شبابي يهتم بالشباب منبثق من المبادرة الشبابية عزتنا في مصريتنا
سافرت إلي البلد الغربي لتحسين أوضاعي المادية .. كنت في غربة لا أحيد يميناً ولا يساراً أسمع كل الكلام ولا أمتعض من شيء .. ملتزماً بقوانينها وتصرفاتها الغريبة الأطوار كانت تتشدق بالديمقراطية والحرية ولكن بعد أحداث الإرهاب الأخيرة كشفت عن وجهها القبيح تعرض أبناء الشرق الأوسط المغتربين لتعنت واضطهاد وإجراءات تفتيش مستمرة تحت ستار قانون ملاحقة الإرهاب ، شعرت بالغضب والحنين إليها .. قررت العودة كنت يوماً ما استأذنها السفر فتسمح لي .. يزدني حبها تعلقا بها ..مضت السنون وهي مازالت تحنو عليٌ ، تحبني وتنأي بي عن كل أذي رغم البعد كانت غرامي الأول ، محبوبتي في زمن نسينا فيه طعم الأشواق والحب حين أتذكر اسمها أشعر بالأمان .. نصير أغراباً ، افترقنا ، سوف نتصالح ،جئت إليك لا أدري لماذا جئت ، قد ننسي امتهان السجان يكفيني انك تمردتي علي الأحزان “حينما قابلتك في مدخل المطار غمرتْني أسئلة عديدة هل قيدوكي ؟ هل أسكتوكي ؟ كما أسكتوني ؟ .. فحبك يخفف من سخونة الدمع المحبوس. رجعت إليك بعد أن شاب عمري .. وجدتها قد تغيرت مثلي … لا أكذب إن قلت إنني مازلت أحبك مثل الأمس كنت زمانا أذكرها .. وزمانا أنكرها .. عندما قابلتها علي ضفاف النيل كنت أحدق فيها كان صوتها يعلو قائلاً :
– إنني متعب مثلك .
– أنا مثلك جئت إليك لا أدري لماذا؟
– كنت أبحث عنك في كل مكان ” قالت لي في ثقة ”
– سترجع ذات يوم حيث كنت فعمرك في يدي ..
– أدمنت حبك .. صمٌَمت من كثرة تساؤلاتي لها .. أمسكت بمقود سيارتي الصغيرة .. أصابع يدي أوتار مشدودة ، عظام جسدي يحزها ألماً وحزناً … قررت أن أذهب إليه شاكياً ، لقد رأيتها تتعري وتقول نحن في زمن الحرية .. بعد أن كانت ترتدي رداء الحشمة والوقار أصبح يملأها الخوف تجمع بين القبح والجمال ، الصدق والكذب ، شاهدتها علي أحد المقاهي تشرب النرجيلة في نشوة بالغة وصوت دندنة عود الشيخ “مكاوي” امتزجت مع أشعار “جاهين” ، فتشعر الروح بحب الأرض والنيل والناس ومر الإغتراب ، تقع عيني علي المسرح القومي وعلي إعلان مسرحية ” عطيل ” الساعة التاسعة والنصف لابد أن عطيلاً مثلي الآن يتحسر علي محبوبته الجميلة الرقيقة .. يزداد الاختناق فوق كوبري 6 أكتوبر .. كمين شرطة يفتش الضابط عن الرخصة مثلما كانوا يفتشوننا في الدولة الغربية ..
– يخفف من وطأة الانتظار نسمات طرية تأتي من ناحية النيل ، أخيراً وصلت إليه هو نفس الطريق وبعد دخولي المبني وجدته هادئاً وديعاً ، تشبث بي قلق ممزوج بترقب ، للزمن رائحة هنا .. نظرت إليه رأيت في وجهه عذابات الماضي وقوة سحر تغويني للحوار معه .. أحدق فيه بثبات قائلا : لن أقبل صمتك ..حرك شفتيك .. انطق ماذا في رأسك خبرني أعلن غضبك .. أرجوك حرك شفتيك .. فأنت واحد منا “بعد فترة صمت وترقب قال لي” :
– تذكر أنها تحبك بكل جوارحها ..
– وأنا أيضا أحبها ..
– أنا مثلك غريب في وطني أصبحت مكروهاً لم يعد لي تأثيراً . حبيس في مسكني .. مريض .. أحتاج لعملية في عيني لأري نورها .. ليغمرني ضوء صلواتها .. أفتح فمي كي أنطق في زمن لا يفيق .. أحرك شفتي في زمن كسيح ..زمن المجاعة والاقتتال ..شيخ ينام علي الرصيف ..طفل مات في الشتاء .. عن أمراض الإيدز وأنفلونزا الطيور والخنازير .. عن طفل يباع بالدولار ..عن ملوك تهاوت وعروش سقطت ؟ ، عن سر الخلق ، عن سر الحب ، عن أثواب تمزقت وأحلام تبددت ” قلت له في حماس ” :
– لا تنس أنها مازالت تزرع الخير والحب في القلوب وتستقي أشجار الأمل فأنا أشتاق إليها أقع في غرامها لا أستطيع منها فكاكاً …
– أنا مثلك تماماً ..
– أراها إيزيس .. أراها “مريم القبطية” ، “عائشة” ، “دميانه” ،أراها المنارة الذهبية ( الأزهر الشريف) ، (الكاتدرائية ) .. أراها فرحة في حوارها مع بولس ويونس تتحاور مع بكر وفلوباتير مع جرجس وأسامة بن منقذ .. تتعزي مع سفيان ويوحنا المعمدان ساجدة في معبد وكنيسة وجامع ، أراها في صلاتها وصيامها ، أراها في بهائها وجمالها يعتريني الخوف والغضب وأنا أراها رغماً عنها في حضن ذئاب مقنعة نحبها من زمن .. في معبد .. في كنيسة .. في جامع الكل صلي في المحن .. تحتضن الكون بأسره .. تبتسم لكل الوجوه .. أقر بجهلي نتواعد علي اللقيا غدا صباحا ..توافق .. أحبها أكثر .. فجأة لم أسمع صوته ولا صوتها عم المكان صمت غريب .. لقد أدرك أن شخصاً ما يراقبنا .. نظرت في ترقب وحذر فوجدت شاباً فوق كرسي متحركٍ ، شاحب الوجه يحمل كاميرا تصوير .. عيونه يتماوج فيها الحزن والألم قال لي :
– أتسمح لي بالتقاط صورة بجوار أبي الهول .
موافق بكل سرور .. فلم أكن أعرف إن كنت في غفوة أم كانت يقظة .. خرجت خارج ” المبني الفرعوني ” شارداً امتزج جسدي بالكتلة البشرية القادمة والخارجة في الشارع الأمامي ، أبواق السيارات تضغط علي أعصابي ، أنا مثل أبي الهول .. لا يوجد أمامي طرق مفتوحة فأنا لا أستطيع أن أحرك شفتي في نهار قاهري حار رطب يطبق علي الأنفاس فيزيد الأعصاب اشتعالاً يتكاثف الإحساس بالوحدة وسط الزحام يرتج جسدي بتشنج غير مبرر … تركته وصورته قد تمكنت من عقلي اكتسحتني موجة من الحزن الدفين .
د.وجيه جرجس عضو اتحاد كتاب مصر.